أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

677

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه فعل مضمر دلّ عليه الكلام السابق ، إذ التقدير : فاستشهدوا رجلا وامرأتين لأن تضلّ إحداهما ، ودلّ على هذا الفعل قوله : « فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان » ، قاله الواحدي ، ولا حاجة إليه ، لأنّ الرافع لرجل وامرأتين مغن عن تقدير شيء آخر ، وكذلك الخبر المقدّر لقولك : « فرجل وامرأتان » إذ تقدير الأول : فليشهد رجل . وتقدير الثاني : فرجل وامرأتان يشهدون لأن تضلّ ، وهذان التقديران هما الوجه الثاني . والثالث من الثلاثة المذكورة . وهنا سؤال واضح جرت عادة المعربين والمفسّرين يسألونه وهو : كيف جعل ضلال إحداهما علة لتطلّب الإشهاد أو مرادا للّه تعالى ، على حسب التقديرين المذكورين أولا ؟ وقد أجاب سيبويه وغيره عن ذلك بأن الضلال لمّا كان سببا للإذكار ، والإذكار مسبّبا عنه ، وهم ينزّلون كلّ واحد من السبب والمسبّب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبّب عنه الإذكار إرادة للإذكار . فكأنه قيل : إرادة أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت ، ونظيره قولهم : « أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه ، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه » فليس إعدادك الخشبة لأن يميل الحائط ولا إعدادك السلاح لأن يجيء عدو ، وإنما هما للإدغام إذا مال وللدفع إذا جاء العدو ، وهذا ممّا يعود إليه المعنى ويهجر فيه جانب اللفظ . وقد ذهب الجرجاني « 1 » في هذه الآية إلى أنّ التقدير : مخافة أن تضلّ ، وأنشد قول عمرو : 1129 - . . . * فعجّلنا القرى أن تشتمونا « 2 » أي : مخافة أن تشتمونا » وهذا صحيح لو اقتصر عليه من غير أن يعطف عليه قوله « فتذكّر » لأنه كان التقدير : فاستشهدوا رجلا وامرأتين مخافة أن تضلّ إحداهما ، ولكنّ عطف قوله : « فتذكّر » يفسده ، إذ يصير التقدير : مخافة أن تذكر إحداهما الأخرى ، وإذكار إحداهما الأخرى ليس مخوفا منه ، بل هو المقصود ، قال أبو جعفر : « سمعت عليّ بن سليمان يحكي عن أبي العباس أن التقدير كراهة أن تضلّ » قال أبو جعفر : « وهو غلط إذ يصير المعنى : كراهة أن تذكّر إحداهما الأخرى » . انتهى . وذهب الفراء إلى أغرب من هذا كلّه فزعم أنّ تقدير الآية الكريمة : « كي تذكّر أحداهما الأخرى إن ضلّت » فلّما قدّم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت « أن » ، قال : « ومثله من الكلام : « إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى » معناه : إنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل ؛ لأنه إنما يعجب الإعطاء لا السؤال ، فلمّا قدّموا السؤال على العطيّة أصحبوه أن المفتوحة لينكشف المعنى » ، فعنده « أن » في « أن تضلّ » للجزاء ، إلّا أنه قدّم وفتح وأصله التأخير . وأنكر هذا القول البصريّون وردّوه أبلغ ردّ . قال الزجاج : « لست أدري لم صار الجزاء إذا تقدّم وهو في مكانه

--> ( 1 ) عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي الإمام المشهور أبو بكر توفي سنة إحدى - وقيل : أربع - وسبعين وأربعمائة ، البغية ( 2 / 106 ) . ( 2 ) ابن كلثوم وصدره : نزلتم منزل الأضياف منا * . . . شرح القصائد العشر ( 423 ) ، والشنقيطي ( 100 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 115 ) .